تهجير إلى خارج البلاد
كتب / همدان العليي
الاربعاء 15 نوفمبر 2023
عملية التهجير التي مارسها الحوثيون بشكل مُمنهَج خلال سنوات الحرب التي أشعلوها، دفعت مئات الآلاف إلى الاستقرار في محافظات مختلفة مثل مأرب وتعز وعدن وحضرموت والمهرة وشبوة وأبين والضالع، كما أجبرت أعدادًا هائلة أخرى من اليمنيين لمغادرة اليمن، وقد استقروا في العديد من الدول العربية والإسلامية والغربية، على رأسها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وسلطنة عمان والأردن وقطر والإمارات وتركيا والصومال وإثيوبيا ودول أوربية مختلفة والولايات المتحدة الأمريكية.
ولم تكُنْ عملية الترهيب والتحريض والملاحقات والاستهداف وفرض الأفكار هي الأسباب الوحيدة التي دفعت ملايين اليمنيين للهروب من مناطق سيطرة الحوثي، لكن عملية التجويع المُتعمَّد وعدم تسليم المرتبات وامتهان كرامة الإنسان اليمني أيضًا دفعت الكثير للمخاطرة بحياتهم للوصول إلى دول أوروبا بهدف العيش بكرامة.
وقد وثَّقت وسائل الإعلام أحداثًا مؤلمة كشفت من خلالها جانبًا من معاناة في رحلة شباب اليمن عبر البحر والبر للوصول إلى دول أوروبا -من بينها هولندا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا والسويد- بعضها انتهت بالموت غرقًا في مياه المحيط الأطلسي، أو بسبب الصقيع في الحدود البولندية البيلاروسية، أو وقعوا ضحية عصابات تنتشر في صحاري ليبيا.
ويمكن النظر إلى قضية البطل الأولمبي اليمني الكابتن هلال الحاج – رحمه الله – باعتباره نموذجًا صارخًا لسياسة التجويع التي مارستها جماعة الحوثي ضد اليمنيين للدفع بهم إلى جبهات القتال أو لنشر فكرها بين أفراد المجتمع.
يُعتبَر هلال الحاج لاعب المنتخب الوطني اليمني للكونغ فو منذ العام 2010م، وبطل الجمهورية على التوالي حتى 2017م، وكذلك بطل العرب من 2012م، حتى 2018م، وبطل آسيا في عدد من بطولات آسيوية وأولمبية.
وبحسب شهادة أدلى بها لي شخصيًّا أخوه سعيد الحاج المقيم في فرنسا، عاد هلال إلى اليمن بعد حصوله على ميدالية برونزية في بطولة التضامن الإسلامي في أذربيجان، وتواصل معه القيادي الحوثي حسن زيد الذي كان في منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة الحوثيين وطلب منه أن يحضر إلى مقر وزارة الشباب والرياضة للحصول على مستحقاته وتكريمه كبطل دولي، لكنه وصل إلى الوزارة ولم يلقَ أي تكريم ولم يحصل على أيَّة مستحقات، وعندما التقى بحسن زيد، طالب بمستحقاته المالية التي تساعده على مواصلة مشواره الرياضي مُمثّلًا لبلاده اليمن، فرفض القيادي حسن زيد تسليم هذه المستحقات وهدَّد بأخذه إلى جبهات القتال.
بعد هذا اللقاء، وجد هلال الحاج نفسه بلا حيلة، ولا مستقبل له في اليمن إلَّا إذا كان مواليًا للحوثيين أو شارك في القتال معهم، وعندما حصل على فرصة للمشاركة في بطولة بإندونيسيا، وأثناء عودته بقي في جمهورية مصر العربية لفترة وجيزة، ثم شارك في بطولة أخرى بالجزائر، ومن هناك قرَّر السفر إلى أوروبا عن طريق البحر مرورًا بدولة المغرب، ليغرق أمام سواحل مليلة الإسبانية في 16 سبتمبر/ أيلول 2019م.
ما تعرَّض له البطل الدولي هلال الحاج، تعرَّض له ملايين اليمنيين خلال سنوات الحرب، فقد تم إغلاق معظم أبواب الرزق أمام الشباب بشكل مُمنهَج لا علاقة له بتداعيات الحرب، وفتح باب الالتحاق بجبهات القتال أو قبول عمليات الإبادة الثقافية مقابل نشر فكر الحوثيين وهذا ما دفع الكثير إلى مغادرة مناطقهم.
أمَّا مَن بقي، فقد فضلوا عدم الخوض في القضايا الخلافية سواء كانت سياسية أو دينية للحفاظ على حياتهم والحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، من خلال التعايش مع الواقع رغم صعوبته وقسوته.
وهؤلاء يدفعون الضريبة بطُرُق مختلفة ومتعددة، يبقى أقلها إرسال أبنائهم إلى المدارس لتلقي معتقدات الحوثيين قسرًا، وحرمانهم من حقهم في الاعتقاد، وبالتالي يتعرَّضون لما وصفناه سابقا بـ «الإبادة الثقافية».
وتُعتبَر عمليات النفي والتهجير من ضِمْن سِمَات الحُكم الإمامي في اليمن، حيث عُرف الأئمة بالتنكيل باليمنيين الرافضين لحُكمهم ونفيهم إلى خارج اليمن، أو دفعهم للمغادرة (تهجيرهم بشكل غير مباشر)، وهذا ما تعرَّضت له أعداد هائلة من اليمنيين تاريخيًّا على يد هذه السلالة التي كانت تستقوي بالطبريين والديلم من خارج اليمن لإخماد أيَّة ثورات يمنية.
في العام 1101هـ – 1690م، عمد الإمام محمد بن أحمد أو ما كان يُعرف بـ«صاحب المواهب» إلى التنكيل بقبيلة همدان الصغرى، بعد أن رفض شيخها جابر بن علي خليل، المثول بين يديه، وحين زاد التضييق عليهم من قِبَل قوات ذات الإمام أعلنوها ثورة، وعاضدتهم قبيلتا بني الحارث، وبني حشيش، انتهت بهزيمة الشيخ جابر وإعدامه وعدد من مشايخ المنطقة، ونفي جزءٍ من قبيلة همدان إلى الهند بعدما نهب أموالهم وأملاكهم. وقد قال محسن بن الحسن القاسم والملقب بأبو طالب واصفًا ما حدث: «وساق الإمام إلى حربهم الأجناد، وملأ بالكتائب البقاع والوهاد، وباستحلال دمائهم أقام الحجة»، وأضاف: «وكان الإمام بعد الاستيلاء، والفوز بالقدح المعلّى، أجلى همدان عن بلادهم، وأركبهم البحر، فبلغوا إلى الهند والصين، وأمر أنْ يُصاح بإهدار دمائهم، وخراب كُلِّ حصن لهُم حصين»( ).
- من كتاب الجريمة المُركَّبة.
#التهجيرالحوثيلليمنيين






